سيد قطب
1936
في ظلال القرآن
ومن ثم جاء التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد بالأمر وبالنهي معا ؛ بحيث يؤكد أحدهما الآخر ، التوكيد الذي لا تبقى معه ثغرة ينفذ منها الشرك في صورة من صوره الكثيرة . . وقد تكرر مثل هذا في التعبير القرآني في مواضع شتى ؛ هذه نماذج منها من هذه السورة ومن سواها : * « الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ » . . ( هود : 1 - 2 ) * « وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ : أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ » . . . ( هود : 25 - 26 ) * « وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ، قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ » . . ( هود : 50 ) * « وَقالَ اللَّهُ : لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ . إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ . فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ » . . . ( النحل : 51 ) * « ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا . وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً . وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . . ( آل عمران : 67 ) * « إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً . وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . . . ( الأنعام : 79 ) وهو منهج مطرد في التعبير القرآني عن حقيقة التوحيد ، له دلالته من غير شك . سواء في تجلية قيمة هذه الحقيقة وضخامتها التي تستدعي ألا توكل في أي جانب من جوانبها إلى المفهومات الضمنية والمقتضيات اللازمة ، وإنما ينص نصا منطوقا على كل جانب فيها . أو في دلالة هذه الطريقة على علم اللّه - سبحانه - بطبيعة الكائن الإنساني ، وحاجته في تقرير هذه الحقيقة الكبيرة ، وصيانتها في حسه وتصوره من أية شبهة أو غبش ، إلى التعبير الدقيق عنها على ذلك النحو ، الذي يتجلى فيه القصد والعمد . . وللّه الحكمة البالغة . . وهو أعلم بمن خلق ، وهو اللطيف الخبير . ثم نقف أمام مدلول مصطلح « العبادة » الوارد في السورة - وفي القرآن كله - لندرك ما وراء ذلك التركيز على الأمر بعبادة اللّه وحده ، والنهي عن عبادة غيره . وما وراء هذه العناية في التعبير عن شطري هذه الحقيقة في نص منطوق ، وعدم الاكتفاء بالدلالة الضمنية المفهومة . لقد جلينا من قبل في أثناء التعقيب على قصة هود وقومه - في هذه السورة - ما هو مدلول مصطلح « العبادة » الذي استحق كل هذا التركيز وكل هذه العناية ؛ كما استحق كل ذلك الجهد من رهط الرسل الكرام ، وكل تلك العذابات والآلام التي عاناها الدعاة إلى عبادة اللّه وحده على ممر الأيام « 1 » . . فالآن نضيف إلى ذلك التعقيب بعض اللمحات : إن إطلاق مصطلح « العبادات » على الشعائر وعلى ما يكون بين العبد والرب من تعامل ، في مقابل إطلاق
--> ( 1 ) ص 1897 - 1899 من هذا الجزء .